ابراهيم بن عمر البقاعي

125

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] - وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين ، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد ، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر ، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع ، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول ، رجوعا إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ وهو كمال الخير حَتَّى تُنْفِقُوا أي في وجوه الخير مِمَّا تُحِبُّونَ أي من كل ما تقتضون ، كما ترك إسرائيل « 1 » عليه الصلاة والسّلام أحب الطعام إليه للّه سبحانه وتعالى . ولما كان التقدير : فإن أنفقتم منه علمه اللّه سبحانه وتعالى فأنالكم به البر ، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا ، وكان كل من المحبة والكراهة أمرا خفيا ، قال سبحانه وتعالى مرغبا مرهبا : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ أي من المحبوب وغيره فَإِنَّ اللَّهَ أي الذي له الإحاطة الكاملة . وقدم الجار اهتماما به إظهارا لأنه يعلمه من جميع وجوهه كما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا : لا أعلم إلا هو ، فقال : بِهِ عَلِيمٌ * فهذا كما ترى احتباك . ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى : كُلُّ الطَّعامِ أي من الشحوم مطلقا وغيرها كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي أكله - كما كان حلّا لمن قبلهم على أصل الإباحة إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ تبررا وتطوعا عَلى نَفْسِهِ وخصه بالذكر استجلابا لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم . ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا : إنما حرم ذلك اتباعا لحكم التوراة قال : مِنْ قَبْلِ وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان ، لا مستغرقا له . وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال : أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وكان قد ترك لحوم الإبل

--> ( 1 ) هو يعقوب عليه السّلام وورد عن ابن عباس : إسرا عبد وإيل - اللّه . أي : عبد اللّه وقيل صفيّ اللّه .